الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

314

مناهل العرفان في علوم القرآن

لأمرين : أحدهما أنه كان بين المشركين في جزيرة العرب يهود وأهل كتاب يخالفونهم في الدين ، فما أرّث ذلك بينهم حربا ولا أوقد لخصومتهم نارا ، على مثل ما كان بينهم وبين محمد . والآخر أنه كان يوجد بين العرب حنفاء من مقاويل الخطباء وفحول الشعراء ، كأمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة ، فما كان هذا ليثير حفائظهم ولا ليقفهم موقف الخصومة منهم . بل رضوا بتحنفهم ومخالفتهم لدينهم ودين آبائهم ، وزادوا على ذلك أن سجلوا كلامهم في التوحيد وشعرهم في التنزيه والتمجيد ، لأنهم لم يجدوا في هذا المنظوم والمنثور مثل ما وجدوا في القرآن من شدة التأثير وقوة الدفع . ذلك الكتاب الذي جاءهم من فوقهم ، وكان له شأن غير شأنهم ورأوا فيه من مسحة الألوهية ما جعله روحا من أمر اللّه يتحرك به كل من سمع صوته ، ويهتز له كل من شام برقه ، ولا سبيل إلى وقف تياره وأثره ، إلا بالوقوف في وجهه والحيلولة بين الناس وبينه . روى أبو داود والترمذي أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال : « ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربى » فتأمل كلمة « أن أبلغ كلام ربى » ولم يقل : منعوني أن أتلو أو أعمل في نفسي بكلام ربى ، لأن التلاوة والعمل من غير استعلان بالقرآن ونشر له ، كان لا يؤثر على قريش كثيرا إنما الذي كان يحز في نفوسهم ويقض من مضاجعهم ، هو نشر هذا النور الذي يكاد يخطف الأبصار ، وإعلان هذا الكتاب الذي يجذب القلوب والأفكار . وكان من تأثيره وفتحه وغزوه للنفوس ما ألمعنا إليه في إسلام عمر وسعد وأسيد ! . ( وأما الفرض الثالث ) فينقضه ما هو معروف من أن العرب حين خوطبوا بالقرآن قعدوا عن معارضته ، اقتناعا بإعجازه وعجزهم الفطري عن مساجلته . ولو أن عجزهم هذا كان لطارئ مباغت عطل قواهم البيانية ، لأثر عنهم أنهم حاولوا المعارضة بمقتضى تلك الدوافع القوية التي شرحناها ففوجئوا بما ليس في حسبانهم ؛ ولكان ذلك مثار عجب لهم . ولأعلنوا ذلك في الناس ليلتمسوا العذر لأنفسهم وليقللوا من شأن القرآن في ذاته ، ولعمدوا إلى كلامهم القديم فعقدوا مقارنة بينه وبين القرآن يغضون بها من مقام القرآن وإعجازه ، ولكانوا بعد